العيني
100
عمدة القاري
سجودا مع عدم أهليته ، فالمتأهل لذلك أحرى بأن يسجد على كل حال ويؤيده ما في حديث ابن مسعود أن الذي ما سجد عوقب بأن قتل كافرا ، فلعل جميع من وفق للسجود يومئذ ختم له بالحسنى ، فأسلم ببركة السجود . انتهى . قلت : فيه بحث من وجوه : الأول : أن تقريرهم على السجود لم يكن لاعتبار سجودهم ، وإنما كان طمعا لإسلامهم . الثاني : أن تسمية الصحابي فعلهم سجودا بالنظر إلى الصورة مع علمه بأن سجودهم كلا سجود ، لأن السجود طاعة والطاعة موقوفة على الإيمان . الثالث : أن قوله : ولعل جميع من وفق إلى آخره ظن وتخمين ، فلا يبتنى عليه حكم ، ثم الذي قاله ابن بطال : إنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه صلى الله عليه وسلم . . إلى آخره ، موجود في كثير من التفاسير ، ذكروا أنه لما قرأ سورة النجم ، ووقع في السورة ذكر آلهتهم في قوله تعالى : * ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) * ( النجم : 91 و 02 ) . وسمعوا ذكر آلهتهم في القرآن فربما ظنوه أو بعضهم أن ذلك مدح لها ، وقيل : إنهم سمعوا بعد ذكر آلهتهم : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى ، فقيل : إن بعضهم هو القائل لها ، أي : بعض المشركين ، لما ذكر آلهتهم خشوا أن يذمها ، فبدر بعضهم فقال ذلك ، سمعه من سمعه وظنوا أو بعضهم أن ذلك من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل إن إبليس لعنه الله هو الذي قال ذلك حين وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه اللآية فظنوا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي قال ذلك وقيل : إن إبليس أجرى ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم ، وهذا باطل قطعا . وما كان الله ليسلطه على نبيه وقد عصمه منه ومن غيره ، وكذلك كون إبليس قالها وشبه صوته بصوت النبي صلى الله عليه وسلم باطل أيضا ، وإذا كان لا يستطيع أن يتشبه به في النوم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الصحيح ، وهو قوله : ( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتشبه بي ولا يتمثل بي ) . فإذا كان لا يقدر على التشبه به في المنام من الرائي له ، والنائم ليس في محل التكليف والضبط ، فكيف يتشبه به في حالة استيقاظ من يسمع قراءته ؟ هذا من المحال الذي لا يقبله قلب مؤمن ، وهذا الحديث الذي ذكر فيه ذكر ذلك أكثر طرقه منقطعة معلولة ، ولم يوجد لها إسناد صحيح ولا متصل إلاّ من ثلاثة طرق . أحدها : ما رواه البزار في مسنده قال : حدثنا يوسف بن حماد حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ، أشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان بمكة فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى * ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) * ( النجم : 91 و 02 ) . فجرى على لسانه : تلك الغرانيق العلى الشفاعة منهم ترتجى ، قال : فسمع ذلك مشركو أهل مكة فسروا بذلك ، فاشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنزل الله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ) * ( الحج : 25 ) . ثم قال البزار : ولا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره ، ولم يسنده عن شعبة إلاّ أمية بن خالد ، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير ، قال : وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، وفي تفسير أبي بكر بن مردويه عن سعيد بن جبير : لا أعلمه إلاّ عن ابن عباس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قرأ النجم فلما بلغ : * ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) * ( النجم : 91 و 02 ) . ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وشفاعتها ترتجى ، فلما بلغ آخرها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون ، فأنزل الله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) * ( الحج : 25 ) . إلى قوله : * ( عذاب يوم عقيم ) * ( الحج : 55 ) . قال يوم بدر . والطريق الثاني رواية محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . والطريق الثالث : ما رواه ابن مردويه في ( تفسيره ) قال : حدثنا أحمد بن كامل حدثنا محمد بن سعيد حدثني أبي حدثنا عمي حدثنا أبي عن أبيه ( عن ابن عباس قوله : * ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) * ( النجم : 91 و 02 ) . قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أنزلت عليه آلهة العرب ، فسمع المشركون يتلوها ، وقالوا إنه يذكر آلهتنا بخير ، فدنوا فبينما هو يتلوها ألقى الشيطان : تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فعلق يتلوها ، فنزل جبريل ، عليه السلام ، فنسخها ثم قال : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي . . ) * ( الحج : 25 ) . الآية ، وظاهر هذه الرواية الثالثة أن الآية أنزلت عليه في الصلاة ، وأنه تلا ما أنزل عليه ، وأن الشيطان ألقى عليه هذه الزيادة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علق يتلوها يظن أنها أنزلت وأنه اشتبه عليه ما ألقاه الشيطان بوحي الملك إليه ، وهذا أيضا ممتنع في حقه أن يدخل عليه فيما حقه البلاغ ، وكيف يشتبه عليه مزج الذم بالمدح ، فآخر الكلام وهو قوله : * ( ألكم الذكر وله الأنثى ) * ( النجم : 12 ) . الآيات رد لما ألقاه الشيطان على زعمهم ، وجميع هذه المسانيد الثلاثة لا يحتج بشيء منها : أما الإسناد الأول : وإن كان رجاله ثقات فإن الراوي شك فيه كما أخبر عن نفسه ، فإما شك